صديق الحسيني القنوجي البخاري
521
فتح البيان في مقاصد القرآن
الإيمان سخروا ممن دعاهم إليه وهزئوا به استهزاء باللّه عز وجل ، وقيل هو ما زين لهم الشيطان من تحريم البحائر والسوائب والماء والتصدية حول البيت وسائر الخصال الذميمة التي كانوا يفعلونها في الجاهلية ، وقيل معنى دينهم عيدهم اتخذوه لهوا ولعبا لا يذكرون اللّه فيه . فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ أي نتركهم في النار ، وقال مجاهد : نؤخرهم جياعا عطاشا والمعنى نفعل بهم فعل الناسي بالمنسي من عدم الاعتناء بهم وتركهم في النار تركا كليا ، والفاء فصيحة وكثر مثل هذه الاستعارة في القرآن لأن تعليم المعاني التي في عالم الغيب لا يمكن أن يعبر عنها إلا بما يماثلها من عالم الشهادة . كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا أي كما تركوا العمل للقاء هذا اليوم قاله ابن عباس ومجاهد والسدي وقال ابن عباس أيضا : نسيهم من الخير ولم ينسهم من الشر ، وسمى جزاء نسيانهم بالنسيان مجازا لأن اللّه لا ينسى شيئا . وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ أي ينكرونهما . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 52 إلى 53 ] وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 52 ) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 53 ) وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ أي عالمين بتفصيله حال كونه هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ المراد بالكتاب الجنس إن كان الضمير للكفار جميعا ، وإن كان للمعاصرين للنبي صلى اللّه عليه وسلم فالمراد به القرآن ، والتفصيل التبيين أي ما بيناه بالأخبار والوعد والوعيد ، وكذا بقية الأنواع التسعة التي نظمها بعضهم في قوله : حلال حرام محكم متشابه * بشير نذير قصة عظة مثل وقال السمين المراد بتفصيله إيضاح الحق من الباطل أو تنزيله في فصول مختلفة كقوله : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ [ الإسراء : 106 ] وقرىء فضلناه من التفضيل أي على غيره من الكتب السماوية . هَلْ يَنْظُرُونَ النظر الانتظار أي ما ينتظرون أهل مكة إِلَّا تَأْوِيلَهُ أي ما وعدوا به في الكتاب من العقاب الذي يؤول الأمر إليه ، وقيل تأويله جزاؤه ، وقيل عاقبة ما فيه والمعنى متقارب . يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ وهو يوم القيامة يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ أي التأويل وتركوا العمل بالقرآن مِنْ قَبْلُ أي قبل أن يأتي تأويله قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ الذي أرسلهم اللّه به إلينا فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ استفهام ومعناه التمني ، ومن زائدة فَيَشْفَعُوا